محمد سعيد رمضان البوطي
169
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
القفازين » « 16 » . فما معنى نهي المرأة عن أن تتبرقع أو تنتقب أثناء الإحرام بالحج ، ولماذا كان هذا النهي خاصا بالمرأة دون الرجل ؟ لا شك أن النهي فرع عما كانت تفعله المرأة المسلمة إذ ذاك من الانتقاب وإسدال البرقع على وجهها ، فاقتضى الحكم استثناء ذلك في الحج . ومنه ما رواه مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس أنها لما طلقها زوجها ، فبت طلاقها ، أمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن تعتدّ في بيت أم شريك ، ثم أرسل إليها أن بيت أم شريك يغشاه أصحابي ( أي أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ) ، فاعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم ، فإنه ضرير البصر وإنك إذا وضعت خمارك لم يرك . هذا من حيث ما ورد من الأدلة على وجوب ستر المرأة وجهها وبقية جسمها عن الرجال الأجانب . أما من حيث الدليل على حرمة نظر الرجل إلى ذلك منها ، فقد وردت بذلك أحاديث كثيرة أيضا . فمن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بريرة قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعلي : « يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة » ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه - وفيه قصة المرأة الخثعمية الوضيئة - فطفق الفضل ينظر إليها ، فأخذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بذقن الفضل فحوّل وجهه عن النظر إليها . فأنت ترى أنه قد اجتمع في هذه الأحاديث نهيان : نهي المرأة عن كشف وجهها أو شيء مما سواه أمام الأجانب ، ونهي الرجل عن النظر إلى ذلك منها . وفي ذلك دلالة وافية متكاملة على أن وجه المرأة عورة في حق الأجانب عنها إلا في حالات خاصة مستثناة كضرورة التطبب والتعلم والشهادة ونحو ذلك . على أن من أئمة المذاهب من ذهب إلى أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة ، فلا يجب سترهما وحملوا ما سبق من الأحاديث الدالة على خلاف ذلك على الندب دون الوجوب ، غير أن الجميع اتفقوا على أنه لا يجوز النظر إلى شيء من جسم المرأة بشهوة ، وعلى أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها إذا عمّ الفسق وأصبح أكثر الذين ينظرون إليها فسّاقا يتأملونها بنظرات محرمة . وإذا تأملت في حال المسلمين اليوم وما عمّ فيه من الفسق والفجور وسوء التربية والأخلاق ، علمت أنه لا مجال للقول بجواز كشف المرأة وجهها والحالة هذه . إن هذا المنحدر الخطير الذي يسير فيه المجتمع الإسلامي اليوم يقتضي - لضمان السلامة والحفظ - مزيدا من الحذر في السير ومزيدا من
--> ( 16 ) البخاري : 3 / 146 ، والموطأ : 1 / 328